ابن عربي

130

فصوص الحكم

الشفقة على قومه ، فلا يريد أن يبالغ في ظهور الحجة عليهم ، فإن في ذلك هلاكهم : فيبقي عليهم . وقد علم الرسول أيضاً أن الأمر المعجز إذا ظهر للجماعة منهم من يؤمن عند ذلك ومنهم من يعرفه ويجحده ولا يظهر التصديق به ظلماً وعلُوّا وحسداً ، ومنهم من يُلْحِق ذلك بالسِّحر والإبهام . فلما رأت الرسل ذلك وأنه لا يؤمن إلا من ( 1 ) أنار الله قلبه بنور الإيمان : ومتى لم ينظر الشخص بذلك النور المسمى إيماناً فلا ( 2 ) ينفع في حقه الأمر المعجز . فقصرت الهمم عن طلب الأمور المعجزة لما لم يعم أثرها في الناظرين ولا في قلوبهم كما قال في حق أكمل الرسل وأعلم الخلق وأصدقهم في الحال « إِنَّكَ لا تَهْدِي من أَحْبَبْتَ ولكِنَّ الله يَهْدِي من يَشاءُ » . ولو كان للهمة أثر ولا بد ، لم يكن أحد أكمل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أعلى ولا ( 3 ) أقوى همة منه ، وما أثَّرتْ في إسلام أبي طالب عمِّه ، وفيه نزلت الآية التي ذكرناها : ولذلك قال في الرسول إنه ما عليه إلا البلاغ ، وقال « لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ولكِنَّ الله يَهْدِي من يَشاءُ » . وزاد في سورة القصص « وهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ » أي بالذين أعطوه العلم بهدايتهم في حال عدمهم بأعيانهم الثابتة . فأثبت ( 4 ) أن العلم تابع للمعلوم . فمن كان مؤمناً في ثبوت عينه وحال عدمه ظهر بتلك الصورة في حال وجوده . وقد علم الله ذلك منه أنه هكذا يكون ، فلذلك قال « وهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ » . فلما قال مثل هذا قال أيضاً « ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ » لأن قولي على حد علمي في خلقي ، « وما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ » أي ما قدَّرت عليهم الكفر الذي يشقيهم ثم طلبتهم بما ليس في وسعهم أن يأتوا به . بل ما عاملناهم إلا بحسب ما علمناهم ، وما علمناهم إلا بما أعطونا من نفوسهم مما هم عليه ، فإن كان ظلم فهم الظالمون . ولذلك ( 5 ) قال

--> ( 1 ) ب : من قد ( 2 ) « ا » و « ن » : وإلا فلا ( 3 ) « لا » ساقطة في « ب » و « ن » ( 4 ) ب : وأثبت ( 5 ) ا : وكذلك .